كلنا يعلم أن التجوال بتونس العاصمة أصبح منذ مدّة طويلة أمرا صعبا.
اما اليوم فإنه صار مستحيلا.
كثيرون هم الذين قبلوا بهذا الوضع وبحرمان النفس من متعة المشي والتفسّح في شوارع وأنهج وسط مدينة تونس التي كانت الى عهد غير بعيد من أجمل عواصم جنوب المتوسط بما توفّره من مشاهد لبنايات ذات طابع معماري متميّز ومن تنظيم وتناسق وجمالية خصوصية، و خصوصا، من نظافة. غير أنه في كثير من الأحيان لا يجد المواطن بدّا من النزول الى وسط العاصمة لقضاء بعض شؤونه الإدارية وقطع عدد من الأنهج والأزقّة للوصول الى الإدارة أو الفرع البنكي حيث يجب عليه أن يتحوّل. وهنا تبدأ المعاناة: أرصفة مليئة بالسيارات الرابضة التي تأكل المساحات المخصصة للمترجلين وتعطّل سيرهم، باعة جوالة يسدّون الطريق في كل الاتجاهات، محلاّت تستحوذ دون أي وجه حقّ على مساحات من الطريق العام لتحوّلها الى مواقف لسياراتها الخاصة، فضلات تتكدّس في زوايا الشوارع، مياه قذرة راكدة في فجوات بين الأرصفة والطرقات…
وكأن كل ذلك لم يكن كافيا، فقد أصبحت شوارع وأنهج وسط العاصمة بمثابة مراحيض مفتوحة لزبائن الحانات المنتشرة في المكان، والذين لا يتورّعون عند مغادرتهم ليلا لتلك الحانات عن قضاء حاجتهم والتبوّل على جدران الشوارع والأنهج كما لو كانوا في الطبيعة. ونتج اليوم عن هذا التصرف أن تضاعفت معاناة وسط العاصمة وأصبحت أجزاء كثيرة منها مبعثا للروائح الكريهة الخانقة والمشاهد البائسة ، لا سيما عند ارتفاع الحرارة، وهو ما يعطي انطباعا أن المدينة تخلّى عنها مسؤولوها وتركوها لنفسها.
هل تتصوروا أن يفعلها مواطن بباريس أو بلندن أو بروما ويتبول على جدران المباني والمحلات دون أن يعرض نفسه للعقاب؟ فلماذا هذا الاحساس عند من يقومون بمثل هذا التصرف المنفلت بمدينتنا بانهم يفلتون من العقاب؟ ولماذا يقبل الساهرون على نظافة المدينة بأن تلوّث بمثل هذا الشكل وينتهي بهم الأمر إلى اعتبار التبول في شوارع وانهج العاصمة أمرا عاديا وفي النهاية مقبولا؟ أي انطباع نعطيه بذلك عن عاصمتنا، وبالتالي، عن بلادنا؟
يجب وقفة جادة صارمة لإعادة حرمة وقيمة ومكانة العاصمة.
يجب ردع كل المتهاونين بهيبة وصورة وسمعة العاصمة وهذا حق وواجب في كل عوااصم العالم، مع الحرص في نفس الوقت على توفير أماكن الاستراحة العامة.
محسن لسمري