بقلم عبد الجليل المسعودي
لماذا، في الوثائق التي قدّمت بها مسرحيتها “شعلة” التي عرضتها أمس السبت في قاعة الفن الرابع، لم تذكر المخرجة أمينة الدشرواي انها اعتمدت على نص المؤلف المسرحي الفرنسي(من أصل روماني) اوجان يونسكو،”الدرس”؟ هل هو تغافل ام تعمّد؟
مسرحية يونسكو حاضرة في “شعلة” على مدى العرض. ليس فقط بحكايتها، بل بنفسها التّمسرحي، كذلك، الذي يبحث عن استخراج المادّة المسرحية(فرجةً و إشكاليةً) من حادثة تبدو بسيطة وعادية، ببعدها العبثي الذي يبرز في مقاطع خطاب الممثلين الإثنين على الركح، والذي يُطرح كخطاب آلي ينفلت انفلاتا من أفواه الممثليْن كأنه مُعدّ مسبّقا، لا تحكّم لأحد فيه، بمرورها المفاجىء من الواقعيّة الى السريالية-والعكس-، بطابعها الدائري الذي يجعل منها وجها لوجه متواصلا، لا ينتهي إلا ليبدأ من جديد…ورغم كل هذا الحضور لمسرحية يونسكو فإن “شعلة” تبقى عملا مهمّا قائما بذاته وخصوصياته، مبشّرا بموهبة يمكن ان يكون لها شأن على الساحة المسرحية مستقبلا.
مزيّة هذه المسرحية الأولى تظهر بالتحديد في وضع حافرها على حافر المؤلف المسرحي الفرنسي لطرح أحد أخطر الظواهر التي تنخر المؤسسة الجامعية في بلادنا و المتمثلة في التحرش الجنسي الذي تتعرض له الطالبات بنسبة قد تتجاوز ال40% من قِبَل اساتذتهن.
من محاولة رواية حادثة تحرش بسيطة،كما قلنا، باعتبار تكرارها داخل المؤسسات الجامعية، عبر مواجهة تتحول احيانا الى مجابهة بين استاذ وطالبة، تنجح الدشراوي، إلى حد كبير، في “فرض” حضور محاكمة كاملة شاملة وقاسية على مشاهديها الذين يجدون أنفسهم شهودا في قضيّة توضع فيها كل المسلّمات المجتمعية محلّ تساؤل وشكّ. الاخلاق، المعرفة، الاتصال، التواصل بين المعلم والمتعلم، الحوار بين الأجيال…ومن وراء كل ذلك، مفهوم السلطة كقوة تسلّط وهيمنة وفساد. طالبة تتعرض لمحاولة ابتزاز من استاذها الذي يساومها باسنادها عددا متميزا لتمكينها من النجاح بغير وجه. الطالبة تثور على مثل هذه الممارسة المنتشرة وتجنّد رفيقاتها لتحييد الأستاذ وإنهاء هذا الانحراف الخطير.
الواضح أن المخرجة الشابة اختارت هي نفسها المواجهة عبر التوجّه نحو مسرح النقد المطلق عبر سعيها المعلن الى زعزعة الوفاق الشكلي لمجتمع فاقد لأي بوصلة، تساقطت فيه القيم التي تؤسس لكل تقدم حضاري، وعلى رأس تلك القيم وأهمها واخطرها إطلاقا، المعرفة التي تكتمل حقيقتها ورمزيتها في الفضاء الجامعي. الفضاء الجامعي فقد حرمته(بمعنى القداسة والمنع) وأصبح مستباحا بعد ان تحول فيه الأستاذ الى مغتصب يستعمل نفوذه المعنوي للاغراء أو للابتزاز.
مزية هذه المسرحية الثانية انها لم تفصل في اختيارها الفني بين نقد المجتمع ونقد المسرح، أي انها جمعت بين مسرح النقد ونقد المسرح. لم تبحث المخرجة عن خيوط البسيكولوجيا لربط علاقة الشخصيتين ببعضهما وبالجمهور، ولم تستند الى تعابير داخليّة أو إلى ايحاءات أو تلميحات، وإنما توخت الخطاب المباشر واحيانا الصادم والعنيف، ولكن دون السقوط في الابتذال أو البذاءة، وكأنها تريد أن تطلق صرخة غضب على فن(مسرحي) نسي صفته ودوره الشعبيين وتخاذل في تحمّل مسؤوليته الناقدة.
توفقت المخرجة، ولعلها مزية مسرحيتها الثالثة، في تطويع الممثلين الإثنين لتحمل الشخصيتين بكثير من الدقة وتوزيع عادل بينهما لإيصال الإحساس المطلوب للمتفرج. الممثلة هيفاء الكامل لعبت دورها بكثير من التلقائية الطبيعية التي لطّفت الضغط الذي فرضته على المسرحية شخصية الأستاذ وتقمصها بحرفية منير الخزري، والذي شوّش، أي الضغط، على ادراك مقاصد العمل الفكرية والجمالية، وقلل من وضوح الكتابة الركحية الى حد الإحساس بالرتابة والدوران في دائرة. لكنها كلها هانات يمكن وضعها على حساب صغر تجربة المخرجة واندفاعها. والأكيد أن ما تمتلكه من حدّة في الرؤية ومن ثقة في النفس ومن التزام بقضايا مجتمعها يجعل منها مشروع مخرجة كبيرة قد تفتح باعمالها الباب لعودة مسرح شعبي كفيل وحده بإعادة الجماهير الى المسارح.


