
لا تستغربْ أخي القارئ إذا سألتَ تلميذا عن المكتبة العموميّة بجهته أو عن مكتبة معهده إن وُجدتْ هذه أو تلك ففاجأك بجواب الجاهل أو النافي. ذلك لأنّه ليس من عاداته ارتياد المكتبة أينما كانت، وليس من هواياته قراءة الكتب ولا حتّى الصحف. فلا شيء منها في المنزل، وحسبُ الأولياء أن يقدروا على الأدوات المدرسيّة والكتب الرسميّة والدروس الخصوصيّة المفروضة على الجميع، أمّا مكتبة المعهد فلا جديد يدخل إلى رفوفها، وقد لا يُفتح بابها لعدم تعويض من كان قائما عليها أو لحاجة الإدارة إليه في خدمات أخرى أفضل من بقائه وحيدا بين الكتب منتظرا نفرا من التلاميذ لإعداد عمل جماعيّ. وأمّا المكتبة العموميّة، ما لم تكن نموذجيّة أو معلوماتيّة، فلا يتشوّق إليها أحد بعد عطلتها الصيفيّة بتعلّة حصر الرصيد من جديد. وقد رأيت بعيني صناديق الكتب الجديدة الواردة على إحدى المكتبات، وليست الوحيدة، مغلقة بغبار العشريّة السوداء منذ اندلاع ثورة الفوضى والإهمال في 14 جانفي 2011 بعد أن انكشفت خلفيتها ولم يتحقّق شيء من مطالبها. وكان المفروض، بدل التعلّل بقلّة الأعوان والتستّر على التقصير، القيام بالواجب بالترقيم والترصيف على الأجنحة المناسبة تبعا للتصنيف الدوليّ العشريّ المعروف. ولا تستغربْ، مرّة أخرى، إذا أدركتَ مديرة مكتبة عموميّة قريبة من مدرسة ابتدائيّة قد جمعت حولها مجموعة من التلاميذ لمساعدتهم على المراجعة بمقابل خفيّ عن الأنظار، بدل أن ترغّبهم في مطالعة قصص طريفة أو تدلّهم على المراجع المساعدة على إعداد الملفّات المطلوبة.
إنّ المكتبة التفاعليّة النشيطة تحتاج في زمن العزوف عن المطالعة إلى مديرة مبدعة ومبادرة ومجتهدة تجسيما لحبّ الوطن وخدمة النشء. فعن طريق وسائل الاتّصال الحديثة يمكنها أن تظلّ متواصلة عبر الفايسبوك مثلا مع بعض التلاميذ لإعلامهم بالواردات الجديدة. وقد تكوّن منهم، في صلب المكتبة، نادي الترغيب في المطالعة أو جمعيّة أحبّاء الكتاب لعقد جلسات شهريّة يناقش فيها إصدار جديد أو يحاور فيه، أو حوله، مؤلّفه في أحسن الحالات. وقد يتطوّر بهم المستوى من الاِستهلاك إلى الإنتاج، أي من القراءة إلى الكتابة، فيصيرون مكتسبين كفاية الفهم وكفاءة النقد وبراعة الإبداع، في الدراسة أوّلا، ثمّ في الحياة العامّة. وهكذا تساهم المكتبة في بناء جيل الغد، جيل التفكير والتشييد المظلّل بقيم المواطنة.
ومديرة من هذا الطراز الرفيع، ككلّ عامل مثاليّ، جديرة بالدعم والتشجيع إن هي توجّهت إلى وزارة الإشراف طالبة الترخيص أو قصدت مؤسّسة اقتصاديّة بالجهة مؤمّلة جوائز لمباراة في تلخيص قصّة أو عرض كتاب، بعنوان انفتاح المؤسّسة الثقافيّة على محيطها. وما أكثر الأفكار !
وبعد، فالكتاب هو أساس التكوين الصحيح، والمكتبة العموميّة هي رافدة التدريس ورفيقة العمر. وروادها من التلاميذ والطلبة وعامّة القرّاء على اختلاف الأعمار هم جميعا بُناة تونس المحتاجة إلى جميع أبنائها، وبالأخصّ إلى المتبرّعين الذين يعطون أكثر ممّا يأخذون. وما أعظم أجرهم عند الله !