
يبدو أنّنا صرنا واقعيين أكثر من اللاّزم، واثقين في أنّ الواقعيّة هي الحلّ لمشاكلنا. ولكن الواقع، للأسف، يثبت العكس بما وصلت إليه حياتنا من الأنانيّة والفساد والعنف والجريمة والإدمان والانتحار والفوضى، ومن غير هذا وأكثر منه إلى حدّ الإحباط واليأس والهجرة وأزمة الانتماء على حساب الوطنيّة وغيرها من القيم الأصيلة التي انسلخنا عنها مذ فارقَنا جيلٌ محبّ للعمل، متشبّع بالأمل، معوّل على الذات، مرتزق من الحلال. وباختصار فالواقعيّة المحكومة بالمصالح مذهب في الحياة وسلوك في العلاقات مدمّر يعمي القلوب.
وخير من الواقعيّة العقيمة، في نظري وحسب تجربتي، الرومنطيقيّة التي شعارها، تضمينا لقول الشاعر، “عش بالشعور وللشعور فإنّما دنياك كون عواطف وشعور، شيدت على العطف العميق وإنّها لتجفّ لو شيدت على التفكير”. هكذا شئت كتابة هذين البيتين بكامل الحرّية التي هي أوّل مبادئ هذا المذهب الإنساني حقّا. ومع الحرّية تثمين البشر على أساس العدل والمساواة، وحبّ الطبيعة وتقدير الجمال على اعتبار أنّ للكائنات روحا مستترا يحدّث الشعراء والفنّانين، تضمينا آخر لقول الشابي. فالرومنطيقيّة هي مذهب الحبّ والتكافل والسلام وما لم أذكر من الأخلاق التي ما انفكّت الأديان والفلسفات تدعو إليها وتدقّ لها ناقوس الخطر. ولكن، للأسف مرّة أخرى، “لا حياة لمن تنادي”.
عجيب أمر هذا الإنسان المعاصر الذي أعمته المادّة بما فيها الكسب السريع بأقلّ مجهود فصار لا يفكّر في أخيه الإنسان المحتاج والمظلوم وفي الشعب الذي اغتصب الظالمُ المستبدّ أرضه وعاث فيها فسادا والعالم ينظر عاجزا بقوانينه وقرارات منظّماته.
عجيب أمره إذ يدمّر ويلوّث بأعتى الأسلحة وأخطر المصانع الماء والتراب والهواء، وفي نفس الوقت يعقد ندوات حول الاحتباس الحراري وتآكل السواحل والطاقات المتجدّدة وحماية أديم الأرض والغابات من الانجراف والتصحّر والحرائق .
وأعجب من العجب بحثه عن إمكانية لحياة خارج كوكبنا هذا وتعويله على الذكاء الاصطناعي لحلّ المشاكل ولمزيد التطوّر. ونحن جميعا في هذا الكون نسير ولكن إلى أيّة غاية، كما قالها صاحب الكلام الموزون المقفّى، لا كما قلتها وأقولها نثرا.
وأمرنا نحن شعوب العالم الثالث أعجب من كلّ ما سبق من العجائب، لأنّنا نستورد ونستهلك أكثر ممّا ننتج ونصدّر بما في ذلك الغذاء، وبالأخصّ الدواء، وبصفة عامّة وسائل الإنتاج والموادّ الأساسيّة. وباختصار فالتكنولوجيا المتقدّمة تزيد المتخلّفين تخلّفا، وتُطمئن الذين سمحوا لنا بها على أنّنا لا ننافسهم بها ولا نتحرّر بها إذا فكّرنا في قرار مستقلّ موافق لوضعنا ومساعد على تحسين ظروفنا. والدليل على أنّنا نتقهقر في الأصل ونتقدّم في المظهر سوء استعمال أغلبنا، حتّى لا أعمّم فأظلم، للوسائط الجديدة التي منها الفايسبوك العابث والتيك توك الفاضح.
ومن حسن الحظّ أنّي تمتّعت مع أقراني بالرومنطيقيّة من خلال برامج التعليم والمطالعة إذ وافقت مضامينها وأساليبها طبيعة الشباب إذا أحبّ الجمال وجنح به الخيال إلى عوالم الرؤى الساحرة والمشاعر الروحانيّة في إطار الإيمان وحتّى إذا بلغ التصوّف أو ثار على الجمود والتقاليد وحلم بواقع جديد.