
كلّما دخلت جامعا أو شاهدت شريطا عن الحرمين تذكّرت قول توفيق الحكيم: “إنّ الإخلاص للدين والفنّ يستوجب التجرّد” (عصفور من الشرق.- دار المعارف، سوسة، ط 4 /2008، ص 161). ذلك لأنّه لا شيء يساعد على التجرّد مهما حاولت واجتهدت. ونادرا ما أشعر بأنّي تجرّدت وسموت. فبيت الله الذي كان في الأصل بسيطا صار مفروشا بالرخام والزرابي ومضاء بثريّات ثقيلة ومبرّدا بمكيّفات كبيرة ومسقوفا بقباب متحرّكة، وكلّها بالتكاليف الباهظة. وكسوة الإمام في حدّ ذاته تساوي أغلى الأثمان. وهيبته أعظم من نبيّ، بل هو العالم بكلّ شيء إذا سئل فأفتى، وصاحب الجاه والسلطة إذا جلس أو قام أو مشى. الجامع والحرم بالعمارة والأثاث وبما يُسمع ويُرى، كلّ ذلك من بهرج الدنيا يشدّني إلى الأرض، ولا شيء في كلّ ذلك من روحانيّة الآخرة يصعد بي إلى السماء ويقرّبني من المولى عزّ وعلا. لا شيء إذن يشجّع على جمعة ولا على عمرة ولا على حجّة. والأفضل أن أعتكف في بيتي المتواضع، بين المصحف والسجّاد، لا ينغّص عليّ سكينتي صوت أو نداء. اللّهمّ أن أكون بالصدفة في بلدتي الطيّبة فأجد ضالّتي في مسجد صغير من مساجد الأحياء، فأقرأ ثمّ انضمّ للصلاة إلى صفّ بثلاثة أو خمسة أو سبعة من المسنّين وراء إمام لا يفوقهم في شيء من متاع الدنيا في هندامه من البلوزة البالية إلى الشاشيّة الكاسفة. والجدران المبنيّة بالموادّ المحلّية، بلا خزف ولا طلاء، عارية من المعلّقات والكتابات. والأرضيّة المفروشة بالطوب المحميّ لا تغطّيها الزرابي بل حصر رخيصة كالتي جلست عليها صبيّا في الكتّاب فركّزت النظر على اللوح وحفظت ما تيسّر. في ذلك المكان النادر الوجود أشعر بأنّ الأرض قد سمت وبأنّ الدنيا من الآخرة قد دنت. إن هي إلاّ طرفة عين أو خطوة واحدة للمعراج أو للعبور بمنتهى السهولة والطمأنينة وراحة النفس وسلامة الضمير.
وإكمالا لقول الحكيم أقول: إنّ الإخلاص للدين يستوجب الزهد في الدنيا. ولا أخفي عجزي عن التوفيق بينهما كما هو مُحال بين القلب والعقل. هذان خطّان متوازيان لا يلتقيان، فلماذا أكذب على نفسي إذا استوقفتني آية يطويها الإمام في الصلاة طيّ السجلّ للكتاب ولا يبالي بها أو بي وقد سرحت في المعنى محتارا بين قلب مؤمن مستسلم وعقل مجادل عنيد؟
لم أنس “عصفور الشرق” إذ يحاول التجرّد للفنّ وكأنّ الفنّ من الدين أو طريق إليه كما لم أنس شيخ العباءة السعوديّة، الطويل اللحية، المطبوع الجبهة، في درس بين الظهر والعصر يعلّم الناس أو بالأحرى يتبجّح بعلمه بالتجويد إذ يشرح ويطبّق قواعد التغنّي بالقرآن المنزّه عن الألحان. وأقسم بالمشماش والرمّان أن لا أحد فهم عنه الإدغام والإشمام وفوارق القراءات واصطلاحات الرسم… إلخ. ومثله شيخ آخر لا أنساه في درس الفقه على المذهبين المشهورين لكلمة نصحنا بها لحلّ مشاكلنا بين تشدّد مالك وتسامح أبي حنيفة. أليس في اختلافهم رحمة؟ بلى، من فضل الله تعالى. وأعظم من الشيخين المدرّسين شيخ “الزيتونة” إذ يقرأ من “البخاري” العجب العجاب من الأسانيد الطويلة إلى الأحاديث المسيئة إلى الرسول الكريم في أحواله الحميميّة مرفوعة إلى عائشة دون شرح لفظ أو تفسير معنى أو تعليق مفيد. وأقسم، هذه المرّة، بوادي مجردة وجبل الهندي أن لا أحد من الحلقة الأولى أدرك القصد.
أمّا المتوظّفون في الإمامة، المجازون في الوعظ، فشيء كبير ! فكيف، بعد كلّ ما رأيت، وكلّ ما سمعت، أن أعمل بنصيحة الحكيم وأقدر على التجرّد مخلصا للدين إلاّ أن أقاطع الجماعة والأشرطة راجيا من الله كوخا في آخر الجنّة؟