
أن تقرأ فذلك من واجباتك، أن تقرأ المعرفة لتساهم في محو الجهل لأنّ الجهل يغزوك كلّ يوم بإدخال الإضطراب في تفكيرك فلابدّ أن تُغَالِبَه بالقراءة. أفلا تدافع عن قِيَمِك ومُثُلِك الّتي تجسّم كلّها وجودك الشّخصي والإجتماعي؟ الفكري والفنّي؟ وتعلن عن آمالك؟
صراحةً، يؤسفني أن أرى شابًا متعلِّمًا لا يقرأ بعد حصوله على شهادة الباكالوريا أو ماستار أو شهادة الدّكتوره! كأنّ الحصول على الشّهادات فيه كفاية وأكثر من كفاية! كأنّه امتياز ثقافيّ! أليس هو بمثابة عَتَبَة يضع القارئ قدمه عليها لفتح الأبواب والنّوافذ والأروقة؟
لابدّ أنّك شاهدتَ يا أخي التّلفزات الأوروبّية الّتي تقّدم في كلّ يوم تقريبًا الكتب الصّادرة تّوًا من دور النّشر ومن المطابع في شتّى مواضيع المعرفة والفكر وعلوم الصّناعات والزّراعات وظواهر السّياسة والإقتصاد وأعمال الآداب والفنون. فتلك التّلفزات الأجنبيّة تُغريك وتدعوك بل تحثّك على قراءة ما قَدَّمتْهُ لك (طبعًا غير التّلفزات من معظم بلدان الجنوب) لأنّ تلك التّلفزات الأجنبّية تعلّمك وتهذَّب ذوقك وتثقّف فهمك وتعمقّه وتجعل منك إنسانا حداثيًّا يعيش شوكة عصره المتقّدم على كلّ صعيد في هذا القرن الواحد والعشرين.
وممّا يؤسفني أيضًا أنّهم لا يقرأون فيتعلّلون بأنّهم امتلكوا آلة الأنترنات. وفي رأيهم ذاك كفاية! والحقّ أنّ الأنترنات تدفعك إلى المطالعة والقراءة والتّفكير. فمن وظائفها أن تزّودك بالمعرفة وبالكتاب المهم القديم الّذي لن تجده في مكتبة مدينتك ولا تستعيره حتّى من أصدقائك وأحبابك لأنّهم لم
يقرأوا أيّ شيء بعد الدّراسة. والغلط الفاحش الّذي يقترفه المرء هو أن يعتبر الأنترنات تعّوض المعرفة، لكن المعرفة لا حصر لها ولا جمود، ولا نهاية لها ولا ختام لأنّها نهر دافق من أنهار الحياة البشرّية، وإذ الأنترنات وسيلة ناجعة تؤدّيك إلى المعرفة، تدلّك وترشدك وتأخذ بيدك وتعينك… فهي التي تجسّم الصِّلة المطلوبة في هذا العصر. ونحن نعتقد أنّ الكِتَّاب والإنترنات يتعايشان في نفس العصر وفي نفس البلدان وفي نفس حياة المواطن وشواغله.
وقد قُلتَ لي يومًا من الأيام الماضيّة : إنّك تودّ أن يتجهّز كلّ حيّ في المدينة وكلّ قرّية وكلّ دشرة وكلّ أفق بالمكتبات، بكتب المعرفة وإسطواناتها وفيديواتها وأفلامها، وإنّك تودّ أيضا أن يقرأ الإنسان كتابًا يكتشفه أو يحبّه ويُرْضي فَهْمَهُ وأنت راكب في الحافلة أو السّيارة أو القطار، وأنت مع أحبابك في النّادي والمقهى بل في كلّ مكان مناسب للقراءة…
والكتاب شيء وَرَقيّ مَرِنٌ : تضعه في جيبك، يرافقك في تجْوالِكَ في الحدائق، تتصفّحه حتّى وأنت في فراش النّوم.
ألم تر عددًا من المكتبات التّجاريّة في مصر وفي فرنسا وفي بريطانيا صارت موئلًا للقرّاء وجهّز لهم المكتبيُّ مكانا أنيقا فاخرًا ليجلس على كرسي أنيق فاخر أمام طاولة عليها قهوة أو تاي أو مشروب آخر حتّى يقرأ في جوٍّ مريح بعيد عن ضوضاء المدينة بعض فصول من الكتاب الذي اختاره للمطالعة، وقد يعجبه الكتاب فيشتريه وقد لا يعجبه فلا يشتريه وقد اطلع على محتواه فيردّه إلى صاحب المكتبة بلا مشاكل!
إنّي أعلم أنّ موانع القراءة كثيرة منها صعوبة نشر الكتب الأدبية الجديدة وتوزيعها داخل البلاد وخارجها، وندرة الكتب العلميّة الرّصينة في العلوم الصّحيحة كالفيزياء والرّياضيات وغزو فضاء الكون، والذّكاء الإصطناعي والرّوبوات وأحوال المناخ…
ولكم كنتَ يا أخي تودّ أن يقرأ جيرانُنا المغاربة بل العربُ تآليفنا وكتبنا وأدبنا وعلمنا وإشعاعنا التّونسي. فنحن على موعد الأمل، ولن يخيب ظنّنا بالكِتَاب الّذي بقي متطوّرًا عمليًّا في البلدان المتقّدمة وليس في تراجع أو عجز أو انطفاء.
ع.م