
أخيرا وجدت الحلّ. وسألتزم به بلا تردّد ولا رجعة ولا ندم. وفيما مضى كفاية وعبرة. ومن الآن فصاعدا لن أحضر الأعراس ولا المآتم، ولن أتدخّل في أمور عائليّة ولا في أقدار إلهيّة. فمن تزوّج من الأقارب والأحباب رجوت له الهناء، ومن مات منهم رجوت له الرحمة. ولن أشارك أحدا ما يخصّه، فرحا كان أو بكاء. ولا شيء ينفع أكثر من الرجاء.
أنا لست مستعدّا لإضاعة ساعتين من بقيّة حياتي جالسا في مقعد في كلتا الحالتين، مستمعا لأصوات أنكر المخلوقات في حالة النواح أو في حالة الغناء. والله لا يكلّف سمعي أكثر من طاقته، ولا يحمّل جسمي ما لا يقدر عليه. هي نفس الأغاني في جميع الأفراح من ” أقبل البدر علينا” كناية عن العريس وخارج السياق الأصلي إلى “تعليلة العروسة”، وما بينهما “على الجبين عصابة” و”اللمّو… نحبّه ونكره أمّه”. وهذا “الربوخ” ليس بفنّ، بل هو هستيريا على إيقاع كأزيز المناشر وقرع المطارق. وهي نفس الآيات والدعوات في جميع الجنائز حتّى ولو كان الميت بطلا في “البلطجة” والسكر والعنف وقبح القول والعربدة. وهو عزيز عند أهله وأصحابه، أمّا أنا فبعيد عنه وإن كان جاري بُعد الأرض عن السماء.
أعراسنا نادرا ما تنتهي بين النساء بسلام، وقلّما تحظى بالرضاء. ولا بدّ من استخراج عيب في زينة العروس أو في الحلويّات والمثلّجات. وكذلك مآتمنا فهي أيضا نادرا ما تتمّ من دون ملاحظات وانتقادات. ولا فرق بين من لم تعجبه بقلاوة العرس وبين من لم يستسغ لحمة الفرق.
آخر جنازة حضرتها كانت لصديق كريم، رحمه الله. حسبتها في داره بأريانة، فصارت في ضيعة ولده خارج الماتلين، وظننتها في الصباح فتمّت في المساء. ووجدتني غريبا بين أناس لا أعرف منهم أحدا، ولا يحادثني منهم أحد، لا من أجوار اليمين ولا من أجوار اليسار. وطال الوقت والانتظار وأنا مشدود إلى الكرسي بمسمار. وأخيرا حانت اللحظة الحاسمة وتصاعدت الصرخات المزعجة وردّت عليها من جهة الرجال أصوات التكبير. وانطلق موكب السيّارات إلى المقبرة مباشرة بعد فوات الظهر والعصر. وبعد الدفن والتعزية وجدتني مع سيّارتي أشبه بتاكسي جماعي بلا أجرة. وهكذا ضاع يوم من حياتي كان يمكن أن أقرأ فيه كتابا أو أكتب فيه . وفي آخر عرس وجدتني مع السيّارة المناضلة على ذمّة دار العرس من الأقارب الأصهار طيلة ثلاثة أيّام وكأنّي جنديّ تحت العلم أستجيب للأوامر وألبّي المطالب خشية أن يدرجوني في القائمة السوداء مع الذين “لا يأخذون بالخاطر”.
والآن، وأنا أكتب هذا، أنظر من حين لآخر إلى استدعاء فاخر يتصدّر طاولة تقليديّة بقاعة الاستقبال مسنودا إلى المزهريّة. لم أسأل عنه، ولكنّ ربّة البيت قامت بواجب الإخبار. إنّه مقدّمة لزفاف إحدى بنات الأجوار مبرمج لليلة رأس العام. وهي حرّة في اختيار الليلة والنهار. أسأل الله لها الخير والهناء.
في البلدان المتقدّمة التي تعرف قيمة الوقت يختصرون هذه الأشياء، ويقصرون المراسم في جميع الحالات على العائلة المصغّرة أسوة بـ”النجوم” والعظماء بخلاف عاداتنا المعقّدة المكلفة المحرجة. وكلّها تظاهر كاذب ورياء سخيف، دون أثر من الثقافة والوعي والدين والبساطة. الشرع يقول: “يسّر ولا تعسّر”، ونحن نعسّر ولا نيسّر، سواء في مصيبة الوفاة أو في مفاجآت الزيجات… مع الاعتذار للأحياء والأموات.