
تقول الآية الكريمة من سورة الأعراف (204): ﴿إذا قُرئ القرآنُ فاستمعوا له وأنصتوا لعلّكم تُرحمون﴾.
ولأداء القرآن نوعان: التلاوة البسيطة أي الترتيل والتلاوة المتقنة أي التجويد. والترتيل هي قراءة مرسلة وأماكن السكوت فيه للتنفس محدودة ويجري على صيغة لحنية بسيطة ومستمرة لا تتجاوز منطقة الخمس درجات.
أما التجويد فهي قراءة لحنية جِدُّ ملوّنة تتبلور في مساحة صوتية عريضة بحسب الخصائص الصوتية للمُقرئ وقدرته على التصرف في التنفس.
والتجويد عامة هو معرفة القواعد والضوابط التي وضعها العلماء من مخارج الحروف وصفاتها ومعرفة الصفات العارضة الناشئة عن الصفات الذاتية من تفخيم وترقيق وإظهار وإخفاء وإدغام وقصر ومدّ وما إلى ذلك من الأحكام.
هذا النوع من القراءة المُحَسّنة يشترك مع الغناء الدنيوي في عديد الجوانب وخصوصا من حيث الصياغة اللحنية التي تلتزم (المقامية) ومحطَّ الختام (القفلة).
وتتبع التنويعات نفس قواعد التلوين في المقامات المتقاربة ولكنها تخضع في الوقت نفسه لاختيارات القارئ وأسلوبيته.
ومن المقرئين التونسيين الذين تميّزوا بأدائهم المُحكم وحُسن ترتيلهم ورافقوا الإذاعة الرسمية منذ تأسيسها عام 1938 نذكر الشيوخ محمد التونسي ومجمد اللبان وعبد الرحمان بن الخِضر وحميدة عجاج وعبد المجيد سريح وأشهرهم علي البرّاق (1899-1981) الذي لا يزال صوته يرافقنا في كل المواعيد الدينية.

والتجويد هو لحنٌ سَردي مسترسل يظهر إيقاعه من تغير النبرات الصوتية والإمالة اللفظية والتقسيم العروضي للنص. وينطلق اللحن من درجة الارتكاز في المقام الأساسي التي عادة ما تكون في الطبقة الصوتية الوسطى ثم يعلو تدريجيا نحو أعالي السلم.
وجرت العادة أن تكون قراءة القرآن مرتجلة على أن يلتزم القارئ ببعض المقتضيات الجمالية ويحترم قواعد القراءة المحددة.
في المناسبات الدينية أو في حلقات الطرق الصوفية كثيرا ما يتصدر الإنشاد قسم يسمى الذكر وهي حصة يردِّد خلالها المنشدون اسمَ الله بصيغَ مختلفةٍ: الله، هو، الله حي، لا إله إلا الله، على نغم متكرر في الطبقة الصوتية السفلى وإيقاع متواصل بينما ينطلق المنشد المنفرد في ترديد ألحان مرتَجَلةٍ أو قديمةٍ معادة.
ويقول الشيخ حسن درويش نجل الموسيقار سيد درويش إن منشدي السيرة النبوية الشريفة في مصر يستعينون ببطانة (مجموعة) تُردد جملا لحنية متفَقٌ عليها ليستريح فيها المنشد ويجدد نشاطه. وكان يَجعَلُ ما تغنيه البطانةُ قرارا ثابتا وينطلق هو بغنائيات تختلف في لحنها عما تردده البطانة.
من ذلك ذكر أسماء الله الحسنى الذي يُنشده مشايخ الإنشاد الديني بمصر وقلّده كثيرون عندنا دون توفيق لأنهم يجهلون الآليات التقنية اللازمة: الشيخ النقشبندي والشيخ الفيومي والشيخ الفحام والشيخ رمضان والشيخ بدر.
والطريقة التي تؤدى بها هذه الألحان هي غناء جماعي متعدد الأصوات عريق ببساطته وضارب في القدم يتداوله المنشدون في حلقات الذكر الصوفية منذ قرون.
ويعتمد هذا النوع من الغناء على أساليب بوليفونية صنفها علماء موسيقى الأعراق ethnomusicologues إلى عناصر مرتبطة بمستوى الرقي الفني للشعوب.
ويتميز إنشاد هؤلاء المشايخ باستعمال المناوبة répons والنغم المسترسلbourdon والأرضية المتكررةostinato وهي أساليب بسيطة عادة ما نجدها في الغناء الجماعي لكثير من الشعوب مثل كورسيكا وجورجيا.

(يتبع)