
الدعاء في الإسلام هي عبادة تقوم على سؤال العبد ربَّه والطلب منه مباشرة وهي عبادة من أفضل العبادات التي يحبها الله خالصةً له ويكره أن يصرفها العبد إلى غيره.
أما الابتهال فهو دعاء لله عزّ وجل لتحقيق أمنية أو نذر مرتبط بحب الله وبالصفاء الروحي والسمو بالذات. ويقول د. عمرو ناجي إن كلمة ابتهال تعني في المعاجم: الإخلاص في الدعاء.
والدعاء المغنى شبيه في مجمله بالموّال المسترسل وملتزم بمساراته المقامية وبصيَغه اللحنية حتى لا يكاد يختلف كثيرا عن الغناء الدنيوي.
ويرى بعض المختصين في علم الآثار أن الدعاء ظاهرة مصرية أصيلة راسخة في وجدان المصريين منذ العصور القديمة كاحتفالات الآلهة رع وآمون وإيزيس التي صورتها جُدْرانُ المعابد بالتفصيل وفيها حاملو الأعلام والعازفون والمنشدون بمصاحبة مجموعات موسيقية مؤكدين أنه توجد في كثير من البرْديات نصوصٌ دينية تحمل الدعاء والابتهال إلي الإله الخاص بكل حقبة.
وعلي ذلك فإن فن المدح والابتهال كان موجودا منذ عهد الرسول صلي الله عليه وسلم ثم تطور بعد ذلك وتعددت أشكاله مثل التي نراها اليوم. ويضيف د. محمد عمران أستاذ الموسيقي الشعبية بأكاديمية الفنون صاحب دراسة (الثابت والمتغير في الإنشاد الديني) أن فلسفة وثقافة الابتهال كتراث شعبي ممتدة من العصور القديمة ولكنها اصطبغت بصبغة كل دين ظهر علي أرض مصر.
وحينما جاء الإسلام تبلورت ودخلت في فلسفته. لذلك فإن الابتهال والإنشاد هو أغني أنواع الأداء الموسيقي سواء في المقامات أو أسلوب الأداء فهو يعتبر مصدرا للتعلم استقي منه كل أعلام الموسيقى الشرقية المنتسبين إلى عصر المشايخ أمثال سيد درويش وزكرياء أحمد ومحمد عبد الوهاب.
لا بد من التذكير مرة أخرى بأنه لا وجود لقوالب مرتبطة بالكلام المُقدّس سوى ترتيل القرآن الكريم وتجويده وفقا لقواعد متداوَلة وهيئة لحنية مخصوصة، أما فيما تبقّى فهي ألحان على نصوص من تأليف الشعراء ولا تختلف عن الموسيقى الدنيوية لا من حيث القوالب ولا الصيغ اللحنية ولا الموازين الإيقاعية.
فالقصيدة هي القصيدة والموشح هو الموشح والأغنية هي الأغنية مع اختلاف طفيف في التسميات فقط ولا فرق بين ما هو ديني وما هو غير ديني سوى الغايةُ التي وُضع من أجلها والهيئةُ اللحنيةُ التي تؤديها.
وبالتالي فإن الأغنية الدينية ليست على نمط واحد بل متنوعةً بحسب الغرض الشعري إن كان مديحا أو ابتهالا أو تأملا أو وصفا لعواطف وجدانية أو تعبيرا عن حكمة إنسانية أو وعظا وإرشادا.
وهنالك دعاء مقروء يتلوه المتعبد في أوقات معلومة، خصوصا إثر الصلاة يختاره من بين الأدعية المأثورة عن النبي أو صحابتِه أو كلِّ من تعمّق في التأمل الديني، كما توجد أدعية مغنّاة يكتبها شعراء وزجالون في شكل قصائد أو رباعيات تتبع في تلحينها نسقا لا يحيد عن تقنيات الإنشاد الديني والمتمثلة في الهيئة اللحنية المهيبة والمُستعملة لإيقاع المربّع.
وتتخذ الهيئة اللحنية صيغةً من البوليفونيا الفطرية التي تعتمد أرضية ثابتة تردد اسم الله على نغم لا يتغير بينما يرتجل المنشد المنفرد ألحانا لا تختلف كثيرا في صِيغها النغمية عن غناء الطرب الدنيوي إلا برصانة التمشي ووقار الجملة اللحنية.
وقد يتخذ الدعاء إلى الله منحى اجتماعيا أو سياسيا فيطرق مواضيع أزلية مثل صراع الخير والشر أو أحداثَ معاصِرة تؤثر في مصير المجتمع الغاية منها تنفيس الكَرب واستخلاص العِبر واستحثاث هِمم السامعين للتذكير بقضاياهم وربطها بدوافع الإيمان.
إن القوالبَ والصيغَ الموسيقية المتصلة بالدين وشعائره وما تتضمنه من صيغَ وأساليبَ في التأليف حملت فيضا من الألحان غناء وإنشادا بأصواتَ عديدة نافذة إلى الوجدان مثل الشيخ سيّد النقشبندي (1920-1976) الذي اشتهر بصوته العريض الصادح والمُتقِن لأصول الغناء العربي ومقاماته الثرية.

ومن قصائده الملتزمة الهادفة والداعية إلى مقاومة العدو الصهيوني إنشاد على نمط الأدعية المُرسلة يُثبت أن الموسيقى تعبير إنساني من عمق الوجدان لا يتنافى الصادق منه مع قيم المجتمع السامية وأخلاقياته، ﴿فأما الزبد فيذهب جُفاء، وأما ما ينفع الناس فيمكُث في الأرض﴾ (سورة الوعد، 17):