بقلم عبد الجليل المسعودي
ضمن فعاليات الدورة الخامسة لمهرجان العرائس قدمت مساء أمس، الأحد، الممثلة البولونية نتاليا ساكوفيس عرضا بمثل تلك الجودة التي يتميز بها الفنانون البولونيون والذين يفرضون بانتاجاتهم الاحترام اينما حلّوا.
التونسيون من اهل الاختصاص، والمسرحيون عموما، الذين شهدوا العرض تلقّوه كدرس مفيد. ومؤلم. ولم يكن باستطاعتهم إخفاء حرجهم أمام ما أظهرته الفنانة البولونية من حرفيّة و كفاءة مهنيّة واهتمام بأدق التفاصيل، ومن تحرر فكري كذلك، وقدرة على الإلمام بمسائل عصرها، وإدراكٍ بقضايا مجتمعها ومفارقاته.
ودون ان تدري، فضحت هذه البولونية في تسعين دقيقة ادعاء عقود من تظاهر ووهم مسرحيينا، إن لم يكن كلهم فجلّهم، وأعادتهم إلى واقعهم الهاوي.
الفنانة البولونية لم تقدم عرضا عرائسيا بحصر المعنى. بل هي انطلقت من إرث ما-بعد-الفترة-السوفياتية واستغلال ما وصل إليه فنانو العرائس من تجاوز لحدود هذا الفن التقليدية- والضغوط السياسية آنذاك-نحو مسرح مكتمل العناصر تلعب فيه العروسة أو الدمية دور مجرّد آلة أو عُكّازة للتعبير. ولا يهم عندئذ نوع الدمية أو شكلها، تشخيصيا كان ام تجريديا ما دامت هذه الدمية تؤدي دور مساعد تعبير (adjuvant d’interprétation).
فمنذ اللحظات الأولى من العرض، يصرف المشاهد النظر عن الدمية التي نفخ فيها الممثل من روحه ليتسنّى له التعبير، بها وعبرها، بشكل متعدد الأصوات والتلميحات والإشارات، وليتمكّن من مضاعفة الأوضاع والمواقف، ومن الافلات من كل محاولات التحديد والتاطير.
العودة عبر فن العرائس إلى بدايات المسرح (أو المسرح البدائي) للوصول الى مسرح-ما-بعد-المسرح منتجٍ لخطاب جمالي جديد بفضل ما يمتلكه من قدرة على نقل كل الحالات والاوضاع والانتقال بها الى الوضع الراهن، الآن وهنا. تلك هي الأرضية التي تنطلق منها الفنانة البولونية لتقديم مسرحيتها التي اختارت لها عنوانا لافتا يجمع بين معنى خفة الوجود و دلالة عبور الزمن ووجع السنين.
“رومانس” romance، رغم عذوبة النغم وجاذبية الإيقاع هي حكاية وعيِ جمعي مُعذَّب، حامل لمتناقضات ومفارقات ثقيلة، بعضها تاريخي، وبعضها نتيجة اختيارات حديثة، يرويها ضمير فردي تائهٍ بين إرث التعلق بالاختلاف ومغريات الانتماء، بين ارادة الحرية والخوف من المجهول.
الى كل تلك المفارقات التي تميّز المجتمع البولوني تضاف حيرة إمرأة تعيش واقع القرن الواحد والعشرين بما يفرضه من وحدة تصل العزلة احيانا، ومن سراب الحرية في كل ابعادها وتمثّلاتها الفكرية والجنسية والروحية. إمرأة تصارع في ضوء مظلم شياطين الخوف والانكسار والمجهول هي تعلم-أو قد لا تعلم- ان أصل كل مخاوفها ومعوّقاته هي من صنعها وتصورها مثل الدمية التي تعتمد عليها والتي تتحول تدريجيا الى ذاتها الثانية.
لقد نجحت الفنانة البولونية في اختزال كل ما انتجه فكر التصوّر la représentation العالمي في لوحات شعرية يلاقي فيها المُشاهد صورة دون كيشوت محارب طواحين الريح، وبيغمليون الذي يصنع تمثال حياته ويصبح عبدا له، وصولا الى صورة الرجل-الروبوت في أفلام الخيال العلمي. وفي النهاية يبقى الإنسان سجين اوهامه وحدوده كإنسان.
فكلما ظن الإنسان انه وصل إلى ما كان يريد أن يصل إليه، اكتشف انه كان يجري وراء سراب. لكنه يواصل البحث. وكذلك كان عرض “رومانس”. فكلما ظن المشاهد انه انتهى، ينطلق من جديد. بوتيرة أخرى ونفس آخر…وجمالية متجددة.
RépondreTransférerAjouter une réaction |